الشيخ محمد الصادقي
207
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
نورها وبقيت نارها بحرّها ، فلا يبصر وقد يحرق هو بما أوقد : كذلك المنافقون ، فنفاقهم نار موقدة ليستضيئوا بنور الإسلام ويحرقوا المؤمنين بنار النفاق « فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ » حيث استفادوا قليلا ، فعمر الدنيا قليل بجنب الآخرة ولو عمّروها كلها ، كيف وهم لا يعمّرون منها إلّا قليلا « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ » حيث يفضحهم هنا فلا نور به يستضيئون كما يذهب به يوم يقوم الأشهاد ، إذ لم يبق من نور إسلامهم ولا ظاهر مدعى « وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » فلم يبق هنا وهناك إلّا نار مظلمة بلا نور ، فنار الجحيم لا نور فيها ، وكذلك نار الفضيحة هنا ! ويا له من مثل يمثّل حقيقة حالهم هنا ومآلهم هناك ، إن النفاق نار مظلمة تحرقهم في ظلماتها يوم الدنيا ويوم الدين ، وهم ليسوا ليستفيدوا من نورها إلّا ظاهرا ضئيلا مؤقتا يوم الدنيا ، ثم لا يطول إلا قليلا وقد « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » : « صمّ » وهم يسمعون إذ عطلوا آذانهم الإنسانية عن سماع الحق « بكم » وهم ينطقون إذ عطلوا ألسنتهم عن كلام الحق « عمّى » وهم يبصرون إذ غطوا أعينهم عن مشاهدة الحق « فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ » إلى الحق : « لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ » ( 7 : 179 ) . ومن لطيف الأمر في تمثيلات القرآن أنها كلها حقائق بعيدة عن التخيلات والأوهام ، لحدّ نراها تقحم في ممثلاتها كما هنا : يبتدء المثل ب « الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . » وهو فرد ، ثم ينتهي عند الاستنتاج إلى الممثل نفسه وهو جمع : « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي